لماذا لا تحب عملك؟

عمري ٣٣ سنة الآن وإن كنت متيقن من شيء واحد فهو أن رحلة معرفة الذات واكتشافها هي رحلة طويلة ومتشعبة وكلما تعمقت أكثر كلما وصلت إلى مستويات جديدة وبدأت تحتار فيما هو الطريق المناسب لك في هذه الحياة، ومع كل حيرة تنتج تجربة ومعرفة وتقترب اكثر لرسالتك في الحياة، أنا مثلاً منذ مراحل مبكرة اكتشفت حبي للكتابة والحديث والتعليم، وبعد سلسلة من الأحداث قد أفصل فيها لاحقاً ضحيت بسنوات من عمري وحولت لتخصص إدارة الأعمال وعملت كمعيد في كلية إدارة الأعمال جامعة أم القرى، وبعد حصولي على الماجستير في ريادة الأعمال وجدت نفسي في مفترق طرق لأي تخصص فرعي في ريادة الأعمال سأكمل فيه دراستي في الدكتوراه ولازلت حتى الآن عند هذا المفترق، خلال هذه السنوات جربت التدريس الجامعي وجربت التدريب ووجدت عندي ميلاً لأحدهما دون الآخر، في مرحلة من حياتي جربت العمل الأكاديمي والعمل في القطاع الخاص ووجدت ميلاً في نفسي لأحدهمها دون الآخر، جربت أن أمتلك عملاً خاصاً ووجدت احساساً مختلفاً عما توقعته، وطالما أنا أتنفس الهواء سأظل أجرب وأتشعب وأتعرف على نفسي أكثر وأكثر، والذي ساعدني على الانطلاق والتجارب السابقة هو اتخاذي القرار الصحيح بالتحويل للتخصص المناسب لرغبتي وشغفي وقدراتي منذ البداية وهو إدارة الأعمال ومن ثم ريادة الأعمال، وأعتقد لو كنت في تخصص آخر لكانت الرحلة أصعب وأطول على نفسي منها الآن ولربما كنت من أتعس خلق الله على الأرض لو أكملت في تخصص الهندسة والذي كانت أتعس ٣ سنوات في حياتي فيه،كيف تجرأت وغيرت التخصص وضحيت بهذه السنوات الثلاث؟ ببساطة قررت أنني لا أرغب بأن أعيش بقية حياتي بتعاسة بسبب قرار خاطيء قررته قبل ٣ سنوات، واستشرت واستخرت الله وحولت وكان قرار صائب ولله الحمد والمنة لم أندم عليه بتاتاً.

للأسف كثير منا نعيش بناء على مخططات وتوقعات الآخرين لنا، والآخرين هنا أقصد الوالدين و الأصدقاء و المحيط الاجتماعي، مثلاً عند اختيار التخصص الجامعي تجدنا لا نلقي بالاً لما نريده أو ما نتقنه أو ما نعشق عمله وبدلاً من ذلك نختار تخصصنا بناء على رغبة والدانا والتي في الغالب ستكون الطب أو الهندسة أو الحاسب، أو بناء على التخصصات التي اختارها اصدقائنا والتي في الغالب حددت من قبل آبائهم، أو من قبل محيطنا الاجتماعي فالعائلة التي أغلب أفرادها أطباء سنرى أن أفرادها ينشئون وفي ذهنهم الاختيار الوحيد المنطقي أن يكون طبيباً.

الآن ما المشكلة في طريقة التفكير هذه ؟ المشكلة هي أنها تحرم الشخص من فرصة لعيش حياة أفضل فيما لو اختار ما يناسبه من تخصص أو مهنة، ليس ذلك وحسب بل تحرم المجتمع أيضاً مما يمكن أن يقدمه شخص متميز في مجاله لديه كل القدرات والامكانات ليضيف لهذا العلم أكثر مما يأخذ منه، عندما يكون لدينا جيل كامل من الأطباء دخلوا الطب ليس بدافع حب الطب ومساعدة الناس وعشقهم وحبهم لهذه المهنة ولكن فقط لأنها اختيار والدهم أو محيطهم الاجتماعي، ستكون المحصلة هي أطباء متوسطي المستوى أو حتى دون المستوى المطلوب، دخلوا لهذه المهنة تحصيل حاصل للأسباب أعلاه وربما لأسباب مادية بحتة وتخيل معي حياة هذا الطبيب المسكين الذي يقضي جل عمره في مهنة لا يحبها ولم يُخلق لها ويقضي أغلب ساعات يومه في مكان لا يحبه فقط من أجل المكانة أو المال أو الطريق المرسوم له؟ تخيل معي نفس هذه السيناريو في بقية مجالات الحياة مهندسين متوسطي المستوى ومعلمين متوسطي المستوى وغيرها من المهن، كيف سيكون حال مجتمع مبني من هكذا أفراد؟ بالطبع مجتمع متخلف لا يقدم الكثير للعالم.

الآن أنا أعي تماماً وأنا أكتب هذه السطور أن المجتمع الذي كل أفراده لديهم شغف ويعرفون قدراتهم وما يريدونه في هذه الحياة وكل شخص يعمل فيما يحسن ويحب هي صورة مثالية أفلاطونية ومستحيلة التحقق على أرض الواقع، ولكن غرضي الأساسي من الكتابة هو تقتنع أنت يا من تقرأ هذه السطور – والذين أفترض أن عددهم لن يتجاوز العشرة أشخاص – أن حياتك القادمة تستحق منك أن تعيد التفكير في نفسك، في حياتك الحالية، في عملك إن كان لك عمل، في اختيارك لتخصصك الجامعي إن كنت في آخر فصل في المرحلة الثانوية، أن تتفكر قليلاً مع نفسك لم خلقك الله على هذه الأرض؟ وما هي رسالتك في الحياة؟ وما هي الأشياء التي تستمتع بعملها الآن؟ وإن لم تجد شيئاً تستمتع بالقيام به الآن عد بالذاكرة عندما كنت صغيراً يافعاً ماهي الأمور التي كنت تستمتع بالعمل بها؟ وكيف يمكن أن تكون هذه الأمور هي مصدر رزقك أو على الأقل مصدر متعتك في الوقت الحالي في أوقات فراغك، والتي من الممكن أن تضيف للعالم الكثير عندما تقرر أن تختار بنفسك ما يناسبك وتستطيع الإبداع فيه.

هناك كتابان أنصح بقرائتهما لمن أراد أن يستكشف طريقه لاختيار تخصص أو مهنة أو عمل يناسبه الأول هو كتاب “ثاني لفة يمين” لطبيب الأسنان الذي ترك الطب واتجه للإدارة الدكتور أمجد الجنباز ويعتبر كتاب خفيف لطيف يستخدم الأسلوب القصصي لشرح كثير من المفاهيم والطرق لتصل للمهنة المناسبة لك في الحياة، و كتاب “الإتقان” لروبرت غرين وهو كتاب أطول قليلاً ولكنه ممتع ومفيد جداً في معرفة الشغف والرسالة في الحياة.

أعدك بأن رحلتك للبحث عن رسالتك ستكون أمتع رحلة لك في الحياة ونتائجها تستحق كل ثانية قضيتها فيها.

حسن محمد باتي
٠٨:٠٨م
الإثنين ٤ يناير ٢٠٢١

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s